النووي
48
تهذيب الأسماء واللغات
أكرمت أحدا فوق مقداره إلا اتضع من قدري عنده بمقدار ما زدت في إكرامه . وقال : لا وفاء لعبد ، ولا شكر للئيم ، ولا صنيعة عند نذل . وقال : صحبة من لا يخاف العار عار يوم القيامة . وقال : عاشر كرام الناس تعش كريما ، ولا تعاشر اللئام فتنسب إلى اللؤم . وقال له رجل : أوصني ، فقال : إن اللّه تعالى خلقك حرا فكن حرا كما خلقك . وقال : من سمع بأذنه صار حاكيا ، ومن أصغى بقلبه كان واعيا ، ومن وعظ بفعله كان هاديا . وقال : من الذل أشياء : حضور مجلس العلماء بلا نسخة ، وعبور الجسر بلا قطعة ، ودخول الحمام بلا سطل ، وتذلّل الشريف للدنيء لينال منه شيئا ، وتذلل الرجل للمرأة لينال من مالها شيئا ، ومداراة الأحمق ، فإن مداراته غاية لا تدرك . وقال : من ولي القضاء ولم يفتقر فهو لص . وقال : لا بأس على الفقيه أن يكون معه سفيه يسافه به . وقال : إذا أخطأتك الصنيعة إلى من يتقي اللّه عزّ وجل ، فاصطنعها إلى من يتقي العار . فصل في أحرف من المنقولات في سخائه اعلم أن سخاء الشافعي رحمه اللّه مما اشتهر حتى لا يتشكك فيه من له أدنى أنس بعلم أو مخالطة الناس ، ولكني أنثر منه أحرفا : قال الحميدي : قدم الشافعي رحمه اللّه من صنعاء إلى مكة بعشرة آلاف دينار ، فضرب خباءه خارجا من مكة ، فكان الناس يأتونه ، فما برح حتى فرّقها كلها . وقال عمرو بن سوّاد : كان الشافعي أسخى الناس بالدينار والدرهم والطعام . وقال البويطي : قدم الشافعي مصر وكانت زبيدة ترسل إليه برزم الثياب والوشي فيقسمها بين الناس . وقال الربيع : كان الشافعي راكبا على حمار ، فمرّ على سوق الحدادين ، فسقط سوطه من يده ، فوثب إنسان فمسحه بكفه وناوله إياه ، فقال لغلامه : ادفع إليه الدنانير التي معك . فما أدري أكانت سبعة أو تسعة . قال : وكنا يوما مع الشافعي فانقطع شسع نعله ، فأصلحه له رجل ، فقال : يا ربيع ، أمعك من نفقتنا شيء ؟ قلت : نعم ، قال : كم ؟ قلت : سبعة دنانير ، قال : ادفعها إليه . وقال أبو سعد : كان الشافعي من أجود الناس وأسخاهم كفا ، كان يشتري الجارية الصّناع التي تطبخ وتعمل الحلواء ويقول لنا : تشهّوا ما أحببتم ، فقد اشتريت جارية تحسن أن تعمل ما تريدون . فيقول بعض أصحابنا : اعملي اليوم كذا وكذا ، وكنا نحن نأمرها . وقال الربيع : كان الشافعي إذا سأله إنسان شيئا يحمارّ وجهه حياء من السائل ، ويبادر بإعطائه . رحمه اللّه ورضي عنه . فصل في شهادة أئمة الإسلام المتقدمين فمن بعدهم للشافعي بالتقدم في العلم واعترافهم له به ، وحسن ثنائهم عليه ، وجميل دعائهم له ، ووصفهم له بالصفات الجميلة والخلال الحميدة وهذا الباب ربما يتسع جدا ، لكنا نرمز إلى أحرف منه تنبيها بها على ما سواها ، وأسانيدها كلها موجودة مشهورة ، لكن نحذفها اختصارا . قال له شيخه مالك بن أنس رضي اللّه عنه : إن اللّه عزّ وجل قد ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بالمعصية . وقال الشافعي : لما رحلت إلى مالك فسمع كلامي نظر إليّ ساعة ، وكانت لمالك فراسة ، فقال : ما اسمك ؟ قلت : محمد ، قال : يا